الأربعاء، 10 فبراير 2010

عقلية رجل الإستراتيجية كينيتشي أوهما


"لقد شهد العقدان الأخيران اهتماماً متزايداً بكتب الأنشطة التجارية والإدارية بشكل يشبه الانفجار,ساهمت في إحداث تغييرات شاملة في الحياة والمشاريع والأفكار. ولننظر إلى الدور الذي لعبه إدواردز ديمنج في نهضة اليابان الكبرى وإعادة بعثها من جديد, ولنتأمل تأثير أعمال مايكل بورتر على سلسة القيمة، والتي طبقتها الشركات الكبرى حول العالم, والتي غيرت شكل الرؤية الاقتصادية للعالم اليوم".

تخرج "أوهما" من جامعة واسيدا waseda. معهد طوكيو للتكنولوجيا، وحصل على الدكتوراه في الهندسة النووية من معهد ماساتشوسيتس للتقنية. والتحق بمؤسسة ماكينزي عام 1972م وأصبح مديراً تنفيذياً لمكتبها في نيويورك. كما أنه عمل في فترة من حياته كمستشار لرئيس وزراء اليابان السابق ناكاسوني.
وقد نشر كتاب "عقلية رجل الإستراتيجية" لكينيتشي أوهما في اليابان عام 1975م، إلا أنه لم يصل للسوق الأمريكي حتى عام 1982م. وكان للكتاب عنوان فرعي في الطبعة الأولى "فن الأعمال الياباني" the art of Japanese business. وقد نشر الكتاب في الغرب في الفترة التي كان فيها الحماس والاهتمام بالأساليب اليابانية للإدارة في أوجها. وعندما نشر الكتاب لأول مرة في اليابان كان الغرب يثابر على الاهتمام بإمكانية اكتساب الخبرة والتعلم من التجربة اليابانية.
 وفي هذا الكتاب يتحدى أوهما الاعتقاد السائد في ذلك الوقت والذي تم تبسيطه تبسيطاً مخلاً والقائل بأن الإدارة اليابانية كانت مجرد أناشيد للشركة، ووظيفة مضمونة مدى الحياة.

إلا أن أوهما نادى بأن النجاح الياباني قد يعزي أساساً لطبيعة التفكير الاستراتيجي الياباني. ويقول أوهما عن ذلك التفكير:"هو أساسا تفكير ابتكاري وحدسي ومنطقي ". رغم أنه لم تظهر أي من تلك السمات في النموذج الغربي العادي للإدارة اليابانية. وقد اقترح أوهما أن الابتكارية الضرورية من الممكن أن تكتسب بالتعلم، وبذا أتاح للغرب أن يتفادى تشوشه وتعثره وخروجه المضطرد عن دائرة المنافسة.
ويشير أوهما إلى أن المؤسسات والمشاريع اليابانية لا تميل إلى استخدام أطقم كبيرة من الموظفين للقيام بواجبات التخطيط الاستراتيجي. وهي في ذلك لا تتبع النظام الأمريكي. وعوضاً عن ذلك، فغالباً ما يكون لديها رجل إستراتيجية واحد وموهوب بطبيعته، ويتميز بمنوال شديد الخصوصية في تفكيره. حيث تندمج الشركة والعملاء والمنافسون في تفاعل تبادلي ديناميكي، لتتبلور في النهاية مجموعة شاملة من الأهداف والخطط للتنفيذ.
وهناك منطقة أخرى ارتادها أوهما، ويكمن فيها فرق أساسي، وهي دور العميل الذي هو قلب المفهوم الياباني للإستراتيجية ومفتاح القيم على مستوى المؤسسة. وذلك في الوقت الذي كان العملاء فيه غائبين غياباً ملحوظاً عن التخطيط الاستراتيجي الغربي، وكذلك كانت تغيب القيم على مستوى المؤسسة الغربية.

ويقول أوهما :" هناك ثلاثة أدوار رئيسية لا بد من أخذها في الحسبان عند إنشاء إستراتيجية لأي مشروع: المؤسسة نفسهاCompany , العميلCustomer ، والمنافسةCompetitive , وكل واحدة من هذه الـCs الثلاثة عبارة عن كيان حي له اهتماماته وأهدافه الخاصة. وسنسميهم معاً "المثلث الاستراتيجي" ومن منطلق سياق المثلث الاستراتيجي strategic triangle هذا يكون على رجل الإستراتيجية أن يحقق أداء متفوقاً بالنسبة إلى المنافسين في العوامل الرئيسية لنجاح المشروع. وفي نفس الوقت يجب أن يتأكد رجل الإستراتيجية من أن إستراتيجيته توائم تماماً قوى المؤسسة مع احتياجات السوق التي يتم تحديدها بوضوح. والمواءمة الإيجابية بين الاحتياجات والأهداف تكون شيئاً مطلوباً لتحقيق علاقات وطيدة دائمة بين كل من المنتج والمستهلك وبدونها قد تتعرض قدرة المؤسسة على البقاء في المدى الطويل للخطر.

والتأثير الرئيسي للكتاب هو أن الإستراتيجية كما تبدو في مفهوم النموذج الياباني غير منطقية irrational وغير خطية nonlinear. وفي الماضي كان الغرب يحتفي باليابانيين لتألق منطقيتهم وبُعد النظر الثاقب والصارم لتفكيرهم. ويقول أوهما في كتابه :"في التفكير الاستراتيجي يبحث المرء أولا عن مفهوم واضح للخاصية المميزة لكل عنصر من عناصر موقف ما، ثم يحاول استخلاص أقصى إمكانيات المنفعة من قوى العقل البشري كي يعيد بناء العناصر في أكثر الأساليب والطرق منفعة".
ولما كانت الظواهر والأحداث في عالمنا الواقعي لا تتخذ دائما صورة تتواءم مع النموذج الخطي، فإن أكثر الوسائل التي يجري الاعتماد عليها لتشريح موقف ما إلى أجزائه المكونة وإعادة تجميعها في النموذج المطلوب لا تكون على غرار منهج البحث خطوة بخطوة مثل تحليل النظم. ولكنها في هذه الحالة تعمل كأداة لأقصى أنواع التفكير اللاخطي وهو العقل البشري. وهكذا يتعارض التفكير الاستراتيجي الحقيقي في حدة مع مفهوم الأنظمة الميكانيكية التقليدية الموضوعة على أساس التفكير الخطي. إلا أنه يتعارض أيضا مع المفهوم الذي يراهن بكل شيء على الحدس ليصل إلى نتائج دون أي تصنيف وتمحيص أو تحليل حقيقي.

وكتاب "عقلية رجل الإستراتيجية" ليس مجرد قصيدة مديح كاملة للمفهوم الياباني للإستراتيجية. ففي الواقع نجد أن أوهما يلاحظ الانحطاط الذي حدث للمفكرين الاستراتيجيين (الذين يعتنقون تلك الأفكار بصورة طبيعية دون إضافات ابتكاريه) في كل من اليابان والغرب وهو يقول أن كلا النظامين يشجع النظام التقليدي القويم، إلى الحد الذي لا يتم فيه تشجيع التفكير الاستراتيجي ألابتكاري أو حتى جعله ممكناً.
ويضيف أوهما أن الإستراتيجية الفعالة للمشروع أو المؤسسة، هي تلك التي يمكن للمؤسسة من خلالها أن تكتسب أرضاً ذات أهمية على حساب منافسيها وذلك بتكلفة مقبولة لديها، وهناك أربعة طرق لتحقيق ذلك:
الطريقة الأولى: تتم من خلال التركيز على العوامل الرئيسية للنجاح Key Factors For Success (KFSS). وفي تلك البيئة الخاصة للعمل تكون هناك مناطق وظيفية أو تشغيلية، في كل مشروع أجدر لتحقيق النجاح فيها بدلا من المناطق الأخرى. وإذا ما ركزت مجهودك على تلك المناطق بينما لم يفعل منافسوك نفس الشيء، فإن ذلك سيكون مصدراً لميزة تنافسية. وتكمن المشكلة بالطبع في تحديد ماهية تلك العوامل الرئيسية للنجاح. ويقول أوهما:"إن أكثر الطرق المختصرة فاعلية إلى النجاحات الكبرى تتمثل في القفز بسرعة إلى القمة بالتركيز مبكراً على موارد رئيسية لوظيفة إستراتيجية مفردة تكون على جانب من الأهمية أكثر من غيرها. وقد حازت هذه الطريقة على اهتمام جميع قادة الصناعة في عصرنا هذا، دون استثناء، فقد صاغوا استراتيجياتهم بناء على تحديد العوامل الرئيسية للنجاح KFSS.
الطريقة الثانية: تتم بالاعتماد على التفوق النسبي. فعندما يتنافس كل المتنافسون على عوامل النجاح الرئيسية KFSS تستطيع الشركة أن تجرب وترتاد مجالات عديدة مختلفة في الظروف التنافسية. وعلى سبيل المثال يمكنها استخدام شبكات تقنية أو أساليب مبيعات مبتكرة في منافسة غير مباشرة مع منافسيها.
الطريقة الثالثة: تكون من خلال إتباع مبادرات تتميز بروح المغامرة والإصرار. ومن آن لآخر، يكون الأسلوب الوحيد للتغلب على منافس أقوى بكثير، هي قلب بيئة التنافس رأساً على عقب، وذلك بتقويض قيم عواملها الرئيسية KFSS . وتغيير قواعد اللعبة بتقديم عوامل نجاح رئيسية جديدة تماماً.
الطريقة الرابعة: إلى إستراتيجية فعالة تعتمد على استخدام درجات من الحرية الإستراتيجية Strategic Degrees of Freedom . ويعني أوهما بها أن الشركة يمكنها التركيز على الابتكارية في مناطق لم تطأها أقدام المنافسين.

وقد بدأ الكتاب عملية استقصاء للأساطير اليابانية التي كانت منتشرة في ذلك الوقت من خلال تقديم تفسيرات للإستراتيجية غير المقيدة، والتي لم تكن مقيدة بالسلوك التقليدي أو الثقافي المعتاد. وفي باقي أعماله التالية اتسعت آفاق رؤى أوهما وقام بتطوير الأفكار الأصلية في كتاب "عقلية رجل الإستراتيجية" على نحو أكثر شمولية. فالإستراتيجية هي نتاج نظرة جديدة إلى العالم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق